نصر حامد أبو زيد

237

الاتجاه العقلي في التفسير

الرَّحِيمُ . الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( السجدة / 6 - 7 ) والذي يتنبه إليه تفسير المعتزلة . ويحاول المعتزلة مناقشة هذا الاعتراض من جانب الأشاعرة ، ولذلك يفرق القاضي عبد الجبار بين صيغة الماضي وصيغة المضارع في هذا الفعل « لأن أحسن بمعنى علم لم يجيء وإن جاء مضارعه ، وليس يمتنع أن يستعمل مضارع ما لم يستعمل ماضيه . وعلى هذا استعملوا مضارع نحو : وذر ، وودع ، فقالوا : يذر ويدع ، ولم يستعملوا ماضيه ، فلم يقولوا : أوذر ، ولا أودع . وصار هذا في بابه كاستعمالهم الماضي من دون استعمال المضارع نحو قولهم : عسى وليس ، فحسب » 310 ومن الواضح أن المعتزلة يريدون بهذا التوجيه للفعل أن يذهبوا إلى أن أفعال اللّه كلها حسنة ، وليست كذلك أفعال الانسان ، ومن ثم لا يصح الزعم بأن اللّه هو خالق أفعال الانسان . وغني عن البيان أن القاضي هنا يستدل - كما فعل في الآية السابقة - بدليل الخطاب ، دون منطوقه المباشر . ويذهب القاضي إلى نفس الاستدلال من قوله تعالى صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ( النمل / 88 ) فنسبه الاتقان إلى صنع اللّه وفعله ينفي امكانية أن يكون هو خالق أفعال البشر التي تتضمن « التهود والتنصر والتمجس ، وليس شيء من ذلك متقنا ، فلا يجوز أن يكون اللّه تعالى خالقا لها » 311 . ومن الأدلة التي يستدل بها المعتزلة أيضا قول اللّه تعالى وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ( ص / 27 ) وكذلك قوله ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ . ووجه الاستدلال أن اللّه « نفى ، عمّا خلقه منهما ، الباطل ، ولو كان قد خلق أفعال العباد ، لوجب كون الباطل الذي بينهما من خلقه ، فكان يجب أن يكون نفيه كذبا ، تعالى اللّه عن ذلك » 312 . والواقع أن هذا الاستدلال من جانب المعتزلة يخرج الآية عن سياقها اخراجا تاما . ويصبح تأويل الأشاعرة أقرب إلى روح السياق . يقول الأشعري « قال اللّه تعالى ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فدلّ ذلك على أن المعنى فيهما خلقهما وما بينهما ولا أنا لا أثيب من أطاعني ولا أعاقب من عصاني وكفر بي لأن الكافرين ظنوا أنهم لا يعادون ولا لهم رجعة فيعاقبون . فبين اللّه تعالى أنه ما خلق الخلق إلّا ومصير بعضهم إلى ثواب ورجوع بعضهم إلى العقاب وأن الكافرين ظنوا ذلك لأنه بيّن أن ذلك باب الثواب والعقاب لأنه تعالى قال أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ فأخبر تعالى أن ظن المشركين الذين أنكر عليهم أنهم ظنوا أنه لا عاقبة تقع فيها تفرقة بين المؤمنين والكافرين » 313 والفكرة التي